ابن قيم الجوزية

19

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

بعض السلف ذكر أعلى الأنواع . وبعضهم ذكر الهادي . وبعضهم ذكر المستجيب القابل . وتكون الآية متناولة لذلك كله . ولذلك نظائر كثيرة في القرآن . وأما آية هود : فصريحة لا تحتمل إلا معنى واحدا . وهو أن اللّه سبحانه على صراط مستقيم . وهو سبحانه أحق من كان على صراط مستقيم . فإن أقواله كلها صدق ورشد وهدى وعدل وحكمة وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا [ الأنعام : 115 ] وأفعاله كلها مصالح وحكم ، ورحمة وعدل وخير . فالشر لا يدخل في أفعاله ولا أقواله البتة ، لخروج الشر عن الصراط المستقيم . فكيف يدخل في أفعال من هو على الصراط المستقيم ، أو أقواله ؟ وإنما يدخل في أفعال من خرج عنه وفي أقواله . وفي دعائه عليه الصلاة والسلام « لبيك وسعديك ، والخير كله بيديك ، والشر ليس إليك » ولا يلتفت إلى تفسير من فسره بقوله : والشر لا يتقرب به إليك ، أو لا يصعد إليك . فإن المعنى أجلّ من ذلك ، وأكبر وأعظم قدرا . فإن من أسماؤه كلها حسنى ، وأوصافه كلها كمال ، وأفعاله كلها حكم ، وأقواله كلها صدق وعدل : يستحيل دخول الشر في أسمائه أو أوصافه ، أو أفعاله أو أقواله . فطابق بين هذا المعنى وبين قوله إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] وتأمل كيف ذكر هذا عقيب قوله : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ [ هود : 56 ] أي هو ربي ، فلا يسلمني ولا يضيعني . وهو ربكم فلا يسلطكم عليّ ولا يمكنكم مني . فإن نواصيكم بيده ، لا تفعلون شيئا بدون مشيئته . فإن ناصية كل دابة بيده ، لا يمكنها أن تتحرك إلا بإذنه . فهو المتصرف فيها . ومع هذا ، فهو في تصرفه فيها وتحريكه لها ، ونفوذ قضائه وقدره فيها : على صراط مستقيم . لا يفعل ما يفعل من ذلك إلا بحكمة وعدل ومصلحة . ولو سلطكم عليّ فله من الحكمة في ذلك ما له الحمد عليه . لأنه تسليط من هو على صراط مستقيم . لا يظلم ولا يفعل شيئا عبثا بغير حكمة . فهكذا تكون المعرفة باللّه ، لا معرفة القدرية المجوسية ، والقدرية الجبرية ، نفاة الحكم والمصالح والتعليل . واللّه الموفق سبحانه . هداية المؤمنين وضلال المعرضين ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه ، مريدا لسلوك طريق مرافقه فيها في غاية القلة والعزة . والنفوس مجبولة على وحشة التفرد ، وعلى الأنس بالرفيق ، نبه اللّه سبحانه على الرفيق في هذه الطريق ، وأنهم هم الذين أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [ النّساء : 69 ] فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له . وهم الذين أنعم اللّه عليهم ، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه . وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط : هم الذين أنعم اللّه عليهم . فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له . فإنهم هم الأقلّون قدرا ، وإن كانوا الأكثرين عددا ، كما قال بعض السلف « عليك بطريق الحق ، ولا تستوحش لقلّة السالكين ، وإياك وطريق الباطل ، ولا تغترّ بكثرة الهالكين » وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق ، واحرص على اللحاق بهم . وغض الطرف عمن سواهم . فإنهم لن يغنوا عنك من اللّه شيئا . وإذا صاحوا بك في طريق سيرك ، فلا تلتفت إليهم . فإنك متى التفتّ إليهم أخذوك وعاقوك . وقد ضربت لذلك مثلين . فليكونا منك على بال .